المقريزي
54
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ملاصق القصر من باب الزهومة إلى أقصى باب الزمرّد « 1 » ، ثم عفى عن المكاريين بعد ذلك وكتب لهم أمان قرىء . وقال ابن الطوبر : ويبيت خارج باب القصر كل ليلة خمسون فارسا ، فإذا أذّن بالعشاء الآخرة داخل القاعة ، وصلّى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم ، وقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدولة ابن الكركندي ، فإذا علم بفراغ الصلاة أمر بضرب النوبات ، من الطبل والبوق وتوابعهما من عدّة وافرة بطريق مستحسنة ساعة زمانية ، ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة ، فيقول : أمير المؤمنين يردّ علي سنان الدولة السلام ، فيصقع ويغرس حربة على الباب ثم يرفعها بيده ، فإذا رفعها أغلق الباب وسار إلى حوالي القصر سبع دورات ، فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البياتين والفرّاشين المقدّم ذكرهم ، وأفضى المؤذنون إلى خزانتهم هناك ، ورميت السلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين ، فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرا قريب الفجر ، فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة . انتهى . وأخبرني المشيخة أنه ما زال الرسم إلى قريب ، أنه لا يمرّ بشارع بين القصرين حمل تبن ولا حمل حطب ، ولا يستطيع أحد أن يسوق فرسا فيه ، فإن ساق أحد أنكر عليه وخرق به . وقال ابن سعيد في كتاب المغرب : والمكان الذي كان يعرف في القاهرة بين القصرين هو من الترتيب السلطانيّ ، لأنّ هناك ساحة متسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين ، ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمة السلطانية . وقال ياقوت : وبين القصرين كان ببغداد بباب الطاق ، يراد به قصر أسماء بنت المنصور ، وقصر عبد اللّه بن المهدي ، وكان يقال لهما أيضا بين القصرين . وبين القصرين بمصر والقاهرة ، وهما قصران متقابلان بينهما طريق العامّة والسوق ، عمرهما ملوك مصر المغاربة المتعلونة ، الذين ادّعوا أنهم علويّة . وحدّثني الفاضل الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب ، ناظر الخواص الشريفة ، ابن الوزير الصاحب فخر الدين عبد اللّه بن أبي شاكر ، أنه كان يشتري في كل ليلة من بين القصرين بعد العشاء الآخرة ، برسم الوزير الصاحب فخر الدين عبد اللّه بن خصيب ، من الدجاج المطجن والقطا وفراخ الحمام والعصافير المقلاة بمبلغ مائتي درهم ، وخمسين درهما فضة ، يكون عنها يومئذ نحو من اثني عشر مثقالا من الذهب ، وأنّ هذا كان دأبه في كل ليلة ، ولا يكاد مثل هذا مع كثرته لرخاء الأسعار يؤثر نقصه ، فيما كان هنالك من هذا الصنف ، لعظم ما كان
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 36 : من الأبواب الشرقية للقصر الكبير ، سمي كذلك لأنه يوصل إلى قصر الزّمرّد .